الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
262
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوعهم في معصية الرسول ، فهو زلل واقع . والمراد بالزّلل الانهزام ، وإطلاق الزلل عليه معلوم مشهور كإطلاق ثبات القدم على ضدّه وهو النّصر قال تعالى : وَثَبِّتْ أَقْدامَنا [ آل عمران : 147 ] . والباء في بِبَعْضِ ما كَسَبُوا للسببية وأريد بِبَعْضِ ما كَسَبُوا مفارقة موقفهم ، وعصيان أمر الرّسول ، والتنازع ، والتعجيل إلى الغنيمة ، والمعنى أن ما أصابهم كان من آثار الشيطان ، رماهم فيه ببعض ما كسبوا من صنيعهم ، والمقصد من هذا إلقاء تبعة ذلك الانهزام على عواتقهم ، وإبطال ما عرّض به المنافقون من رمى تبعته على أمر الرسول - عليه الصلاة والسّلام - بالخروج ، وتحريض اللّه المؤمنين على الجهاد . وذلك شأن ضعاف العقول أن يشتبه عليهم مقارن الفعل بسببه ، ولأجل تخليص الأفكار من هذا الغلط الخفيّ وضع أهل المنطق باب القضيّة اللزوميّة والقضيّة الاتفاقية . ومناسبة ذكر هذه الآية عقب الّتي قبلها أنّه تعالى بعد أن بيّن لهم مرتبة حقّ اليقين بقوله : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ انتقل بهم إلى مرتبة الأسباب الظاهرة ، فبيّن لهم أنّه إن كان للأسباب تأثير فسبب مصيبتهم هي أفعالهم الّتي أملاها الشيطان عليهم وأضلّهم ، فلم يتفطّنوا إلى السبب ، والتبس عليهم بالمقارن ، ومن شأن هذا الضلال أن يحول بين المخطئ وبين تدارك خطئه ولا يخفى ما في الجمع بين هذه الأغراض من العلم الصّحيح ، وتزكية النفوس ، وتحبيب اللّه ورسوله للمؤمنين ، وتعظيمه عندهم ، وتنفيرهم من الشيطان ، والأفعال الذميمة ، ومعصية الرسول ، وتسفيه أحلام المشركين والمنافقين . وعلى هذا فالمراد من الذين تولّوا نفس المخاطبين بقوله : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ . . . [ آل عمران : 152 ] الآيات . وضمير مِنْكُمْ راجع إلى عامّة جيش أحد فشمل الذين ثبتوا ولم يفرّوا . وعن السديّ أنّ الذين تولّوا جماعة هربوا إلى المدينة . وللمفسّرين في قوله : اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا احتمالات ذكرها صاحب « الكشاف » والفخر ، وهي بمعزل عن القصد . وقوله : وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ أعيد الإخبار بالعفو تأنيسا لهم كقوله : وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ . [ 156 ]